عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

 وبعد …

فضل عشر ذي الحجة :

روى البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر – قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء )

وروى الإمام أحمد رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام أعظم ولا احب إلى الله العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد )

وروى ابن حبان رحمه الله في صحيحه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أفضل الأيام يوم عرفة).

 أنواع العمل في هذه العشر :

الأول : أداء الحج والعمرة ، وهو أفضل ما يعمل ، ويدل على فضله عدة أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) وغيره من الأحاديث الصحيحة .

الثاني : صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها – وبالأخص يوم عرفة – ولاشك أن جنس الصيام من أفضل الأعمال وهو مما اصطفاه الله لنفسه ، كما في الحديث القدسي : ( الصوم لي وأنا أجزي به ، انه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله ، إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً ) متفق عليه . ( أي مسيرة سبعين عاماً ) ، وروى مسلم رحمه الله عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده ) .

الثالث : التكبير والذكر في هذه الأيام . لقوله تعالى : ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ) وقد فسرت بأنها أيام العشر ، واستحب العلماء لذلك كثرة الذكر فيها لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن أحمد رحمه الله وفيه : ( فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) وذكر البخاري رحمه الله عن ابن عمر وعن أبي هريرة رضي الله عنهم انهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر ، فيكبرون ويكبر الناس بتكبيرهم . وروى إسحاق رحمه الله عن فقهاء التابعين رحمة الله عليهم انهم كانوا يقولون في أيام العشر : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد . ويستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق والدور والطرق والمساجد وغيرها ، لقوله تعالى : ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) ولا يجوز التكبير الجماعي وهو الذي يجتمع فيه جماعة على التلفظ بصوت واحد ، حيث لم ينقل ذلك عن السلف وانما السنة أن يكبر كل واحد بمفرده ، وهذا في جميع الأذكار والأدعية إلا أن يكون جاهلاً فله أن يلقن من غيره حتى يتعلم ، ويجوز الذكر بما تيسر من أنواع التكبير والتحميد والتسبيح ، وسائر الأدعية المشروعة .

الرابع : التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب ، حتى يترتب على الأعمال المغفرة والرحمة ، فالمعاصي سبب البعد والطرد ، والطاعات أسباب القرب والود ، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ان الله يغار وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه ) متفق عليه

 الخامس : كثرة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات كالصلاة والصدقة والجهاد والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك فانها من الأعمال التي تضاعف في هذه الأيام ، فالعمل فيها وان كان مفضولاً فأنه أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيرها وان كان فاضلاً حتى الجهاد الذي هو من أفضل الأعمال إلا من عقر جواده واهريق دمه .

السادس : يشرع في هذه الأيام التكبير المطلق في جميع الوقت من ليل أو نهار إلى صلاة العيد ويشرع التكبير المقيد وهو الذي يعد الصلوات المكتوبة التي تصلى في جماعة ، ويبدأ لغير الحاج من فجر يوم عرفة ، وللحجاج من ظهر يوم النحر ، ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق .

السابع : تشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق ، وهو سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين فدى الله ولده بذبح عظيم ، ( وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما ) متفق عليه .

 الثامن : روى مسلم رحمه الله وغيره عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضّحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) وفي رواية ( فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي ) ولعل ذلك تشبهاً بمن يسوق الهدي ، فقد قال الله تعالى : ( وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) وهذا النهي ظاهره انه يخص صاحب الأضحية ولا يعم الزوجة ولا الأولاد إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه ، ولا بأس بغسل الرأس ودلكه ولو سقط منه شيء من الشعر .

 التاسع : على المسلم الحرص على أداء صلاة العيد حيث تصلى ، وحضور الخطبة والاستفادة . وعليه معرفة الحكمة من شرعية هذا العيد ، وانه يوم شكر وعمل بر ، فلا يجعله يوم أشر وبطر ولا يجعله موسم معصية وتوسع في المحرمات كالأغاني والملاهي والمسكرات ونحوها مما قد يكون سبباً لحبوط الأعمال الصالحة التي عملها في أيام العشر .

العاشر : بعد ما مر بنا ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستغل هذه الأيام بطاعة الله وذكره وشكره والقيام بالواجبات والابتعاد عن المنهيات واستغلال هذه المواسم والتعرض لنفحات الله ليحوز على رضا مولاه والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 صدرت بأذن طبع رقم 1218/ 5 وتاريخ 1/ 11/ 1409 هـ صادر عن إدارة المطبوعات بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

 كتبها : الفقير إلى عفو ربه عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين عضو الإفتاء

given5

ساعة من الضيق مرت .. تبعتها ساعات طويلة..لهموم وآلام لزمتني .. لم أستطع أن أبث مافي نفسي لأحد من الخلق..ضاقت علي الأرض بما رحبت وضاقت علي نفسي.. فأجهشت ببكاء مر.. ودموعي أبت الانقطاع.. كنت حينها أوقن أن الفرج بيد الله.. فهو من بيده مفاتيح الفرج .. إلا أن الضيق بلغ بي مبلغه ..  تناولت مصحفي .. واستشعرت أني أتلو كلام الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. كانت دموعي خلالها لاتقف مما لزمني من كرب وحيرة..فقرأت حتى بلغت قوله:

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (259) سورة البقرة

تأملتها وتفكرت فيها طويلا.. فزاد نحيبي وبكائي.. هي دموعي تنساب كانهمار الغيث..

أنا أبكي لكرب نزل بي

 وكنت أقول محدثة نفسي: أنًّى له التحول عني؟!!

 كيف لهذا البلاء النازل بي أن يأتي بعده الفرج؟!!

حتى قرأت الآية..

 ما أعظمك ياربي.. وما أجل قدرك وما أعظم قدرتك..

 نبي دخل قرية خاوية ..لابشر..ولا حياة .

.بيوت مهدمة..وزروع خاوية..

فقال متعجبا: من يحييها بعد فنائها..

 فتجلت قدرة الملك الحق..فأماته مئة عام ثم أحياه..

أماته عند شروق الشمس وأحياه عند غروبها فتوهم أنه لبث يوم أو بعضه.. وتتجلى القدرة الإلهية أن طعامه وشرابه لم يكن يسير وفق النظام الكوني المعهود.. من عفن وتغير.. بل بقي على صورته لم يتغير..

سبحانك ربي وبحمدك..

 وحماره يموت وتأكله الأرض وتبقى صورة عظامه.. فيحييه المولى القدير.. فيقيم عظامه ويكسوها اللحم ويبث فيه روح الحياة..

وكانت الكلمة المؤمنة من هذا النبي الصالح: (أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

أي وربي انه على كل شيء قدير.. فالذي أماته مئة عام ثم أحياه.. وأبقى طعامه وشرابه على صورته لم تتغير مع الزمن وأقام عظم تلك الدابة ثم كساها لحما قادر سبحانه أن يبدل حالي من كرب إلى فرج ومن حزن إلى فرح.. قادر أن يكشف ضري ويجيب دعائي.. وأنا موقنة انه على كل شيء قادر سبحانه

أليس في لحظة أنار قلبي بنور كلامه فكان بردا وسلاما على قلب أضنته الهموم وأرقته الغموم

واليكم جميعا أحبابي

 استشعروا قدرة الله على تغيير الحال واستعينوا به سبحانه في الكربات

وتوكلوا عليه في الملمات

 فلن نهلك وربنا الله رجاؤنا واليه ملاذنا…                                             

                                                                                     ليلة الدمعة,,,,

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ الله) 


الطبري
 

َقَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَار اللَّه } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : ” كُونُوا أَنْصَارًا لِلَّهِ ” بِتَنْوِينِ الْأَنْصَار. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة بِإِضَافَةِ الْأَنْصَار إِلَى اللَّه. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , وَمَعْنَى الْكَلَام : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , كُونُوا أَنْصَار اللَّه , كَمَا قَالَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم لِلْحَوَارِيِّينَ : { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه } يَعْنِي مَنْ أَنْصَارِي مِنْكُمْ إِلَى نُصْرَة اللَّه لِي .

 وَعَنْ قَتَادَة { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَار اللَّه كَمَا قَالَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَار اللَّه } قَالَ : قَدْ كَانَتْ لِلَّهِ أَنْصَار مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة تُجَاهِد عَلَى كِتَابه وَحَقّه . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ بَايَعَهُ لَيْلَة الْعَقَبَة اِثْنَانِ وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ : هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُل ؟ إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَ عَلَى مُحَارَبَة الْعَرَب كُلّهَا أَوْ يُسْلِمُوا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه اِشْتَرِطْ لِرَبِّك وَلِنَفْسِك مَا شِئْت , قَالَ : أَشْتَرِط لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ , وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَأَشْتَرِط لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا مَنَعْتُمْ مِنْهُ أَنْفُسكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ ” قَالُوا : فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا يَا نَبِيّ اللَّه ؟ قَالَ : ” لَكُمْ النَّصْر فِي الدُّنْيَا , وَالْجَنَّة فِي الْآخِرَة ” , فَفَعَلُوا , فَفَعَلَ اللَّه وعَنْ مَعْمَر , قَالَ : تَلَا قَتَادَة { كُونُوا أَنْصَار اللَّه كَمَا قَالَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه } قَالَ : قَدْ كَانَ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّه , جَاءَهُ سَبْعُونَ رَجُلًا , فَبَايَعُوهُ عِنْد الْعَقَبَة , فَنَصَرُوهُ وَآوَوْهُ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّه دِينه ; قَالُوا : وَلَمْ يُسَمَّ حَيّ مِنْ السَّمَاء اِسْمًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَبْل ذَلِكَ غَيْرهمْ

 وعَنْ قَتَادَة : إِنَّ الْحَوَارِيِّينَ كُلّهمْ مِنْ قُرَيْش : أَبُو بَكْر , وَعُمَر , وَعَلِيّ , وَحَمْزَة , وَجَعْفَر , وَأَبُو عُبَيْدَة , وَعُثْمَان بْن مَظْعُون , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَعُثْمَان , وَطَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه , وَالزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وعَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه } قَالَ : مَنْ يَتَّبِعنِي إِلَى

وعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ الْحَوَارِيِّينَ , قَالَ : سُمُّوا لِبَيَاضِ ثِيَابهمْ كَانُوا صَيَّادِي السَّمَك . الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { الْحَوَارِيُّونَ } : هُمْ الْغَسَّالُونَ بِالنِّبْطِيَّةِ ; يُقَال لِلْغَسَّالِ : حَوَارِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا فِي مَعْنَى الْحَوَارِيّ بِشَوَاهِدِهِ وَاخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ قَبْل فِيمَا مَضَى , فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَقَوْله : { قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَار اللَّه } يَقُول : قَالُوا : نَحْنُ أَنْصَار اللَّه عَلَى مَا بَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ مِنْ الْحَقّ

ابن كثير

يَقُول تَعَالَى آمِرًا عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا أَنْصَار اللَّه فِي جَمِيع أَحْوَالهمْ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالهمْ وَأَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ وَأَنْ يَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ كَمَا اِسْتَجَابَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى حِين قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه أَيْ مُعِينِي فِي الدَّعْوَة إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ وَهُمْ أَتْبَاع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام نَحْنُ أَنْصَار اللَّه أَيْ نَحْنُ أَنْصَارك عَلَى مَا أُرْسِلْت بِهِ وَمُوَازِرُوك عَلَى ذَلِكَ وَلِهَذَا بَعَثَهُمْ دُعَاة إِلَى النَّاس فِي بِلَاد الشَّام فِي الْإِسْرَائِيلِيِّينَ وَالْيُونَانِيِّينَ وَهَكَذَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي أَيَّام الْحَجّ ” مَنْ رَجُل يُؤْوِينِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَة رَبِّي ؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ رِسَالَة رَبِّي ” حَتَّى قَيَّضَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الْأَوْس وَالْخَزْرَج مِنْ أَهْل الْمَدِينَة فَبَايَعُوهُ وَوَازَرُوه وَشَارَطُوه أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْأَسْوَد وَالْأَحْمَر إِنْ هُوَ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابه وَفَوْا لَهُ بِمَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ وَلِهَذَا سَمَّاهُمْ اللَّه وَرَسُوله الْأَنْصَار وَصَارَ ذَلِكَ عَلَمًا عَلَيْهِمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ

 

ابن باز                    

 

الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ. فأمر المؤمنين أن يكونوا أنصار الله ، وأنصار الله هم أنصار دينه ، الله ليس بحاجة إلى أحد من الناس ، الله – سبحانه – غني عن العباد ليس بحاجة إليهم ، فأنصار الله هم أنصار دينه ، والدعاة إليه ، وحماته حتى يظهر بين الناس، وحتى يلتزمه الناس ؛ كما قال – عز وجل-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [(7) سورة محمد]. تنصروا الله أي تنصروا دينه وشريعته، وما أمر به ، وتنصروا ترك محارمه ، وهكذا قوله سبحانه : وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ [(41) سورة الحـج ]. هذا نصر الله ، بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الله – عز وجل – ، وإقامة الجهاد في سبيل الله ، وردع المبطلين عن باطلهم ، وإقامة الحدود عليهم ، إلى غير ذلك ، هذا هو النصر لدين الله ، ومنها حديث بن عباس المشهور : (احفظ الله يحفظك) يعني احفظ دين الله ، باتباعه والاستقامة عليه ، (يحفظك الله) سبحانه. (يحفظك الله) سبحانه ؛ لأن الجزاء من جنس العمل ، فمن حفظ الله باتباع دينه حفظه الله ، ومن نصر الله نصره الله ، فمعنى قوله سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ يعني كونوا من أنصار دين الله ، كونوا من أتباع الشرع ، ودعاة الحق ، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ثم ذكر عيسى – عليه السلام – أنه قال للحواريين : من أنصاري إلى الله أي من أنصاري إلى التوجه إلى الله ، والدعوة إليه ، واتباع شريعته ، هكذا ينبغي لأهل الإيمان أن يكونوا أنصاراً لله ، وأنصاراً للرسل ، وأنصاراً لدعاة الحق ، فمعنى: من أنصاري إلى الله يعني من أنصاري في الدعوة إلى الله ، والتوجيه إليه ، وإقامة دينه
                                    ………………………………

 

 

مصطفى كريم

 

          ما من عصر من عصور تلك الأمة، إلا ويجعل الله فيه شمسًا تضيء الدرب بنورها وتحوط الآخرين بدفئها، فيحيل نورها الظلمات ضياءً، ويبدد دفؤها برودة التيه في غير طريق الله عز وجل، ومن بين هؤلاء سلطان العلماء في كل زمان ومكان العز بن عبد السلام.

 

مولده ونشأته:

 

هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمي المغربي أصلًا، الدمشقي مولدًا، ثم المصري دارًا ووفاة والشافعي مذهبًا، يُكنى بأبي محمد، لُقِّب بعدة ألقاب، أشهرها “عز الدين” وهو اللقب الذي شاع بين الناس، وكذلك لُقِّب بالإمام العز، ولُقِّب بسلطان العلماء، حيث لقبه به واحد من أقرب تلامذته، وهو ابن دقيق العيد، كما لُقب بشيخ الإسلام [العز بن عبد السلام، الزحيلي، ص(39)]، واتُّفق أنه ولد في دمشق، ولكن اختلف في تحديد سنة ولادته، ما بين 577هـ  وسنة 578هـ، والأرجح أنها سنة 577ﻫـ.

 

كان العز بن عبدالسلام يعيش في أسرة فقيرة مغمورة، لم يكن لها مجد أو سلطان أو منصب أو علم، حيث عاش في دمشق، وهي وقتئذ مركز هام للعلم والمعرفة وقبلة للعلماء والفقهاء، وخطُّ مواجهة أماميٌّ مع الصليبيين الغزاة الذين احتلوا مدنًا وحصونًا عديدة في فلسطين وساحل بلاد الشام، كما كانت دمشق ممتلئة بنعم الله وخيراته الوفيرة من ماء عذب وزراعة وصناعة وتجارة درت عليها الرزق الواسع والخير الوفير.  

 

في هذه المدنية العريقة ولد العز بن عبد السلام ونشأ في ربوعها وتنسم هواءها وترعرع في أجوائها، وقد انشغلت أسرته بطلب الرزق عن طلب العلم، إلا أن العز كان منذ نشأته الأولى عفيفًا شريفًا يملك نفسًا أبية، إذ لم يعرف عنه أنه امتهن مهنة تزري بصاحبها، أو تحط من شأنه، وكان رحمه الله شابًا متدينًا، متعبدًا رغم فقره وكده على رزقه، ولا أدل على ذلك من مبيته في المسجد الليالي الطوال ينتظر الصلاة؛ كي لا تفوته الجماعة، أو يغيب عن الصلاة والعبادة فيه.

 

وفي كنف تلك المدينة العظيمة، وفي ظل بيوت الله عز وجل نشأ هذا الشاب العابد الورع التقي، ليخرج لهذه الأمة عالمًا جليلًا ومفتيًا عظيمًا.

 

حياته:

 

          ولما نشأ هذا العالم الجليل في ظل أسرة فقيرة، فقد كانت حياته مليئة بالعقبات والصعوبات، ولم تكن حياة مترفة منعمة، ويروي الإمام السبكي في طبقات الشافعية طرفًا من ذلك فيقول: (كان الشيخ عز الدين في أول أمره فقيرًا جدًا، ولم يشتغل إلا على كِبَرٍ، وسبب ذلك أنه كان يبيت في الكلاسة ـ وهي زاوية في الجانب الشمالي من جامع دمشق ـ فبات بها ليلة ذات بردٍ شديد فاحتلم، فقام مسرعًا ونزل في بِركة الكلاسة؛ فحصل له ألمٌ شديدٌ من البرد.

 

وعاد فنام فاحتلم ثانيًا فعاد إلى البركة؛ لأن أبواب الجامع مغلقة وهو لا يمكنه الخروج، فطلع فأغمي عليه من شدة البرد … ثم سمع النداء في المرة الأخيرة: “يا ابن عبد السلام، أتريد العلم أم العمل؟ فقال الشيخ عزُّ الدين: “العلمَ؛ لأنه يهدي إلى العمل”، فأصبح وأخذ التنبيه فحفظه في مدة يسيرة، وأقبل على العلم، فكان أعلم أهل زمانه ومن أعبد خلق الله تعالى) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/107)].

 

من يومها قصد العز العلماء، وجلس في حلقاتهم، ينهل من علومهم، ويكب على الدراسة والفهم والاستيعاب، فاجتاز العلوم بمدة يسيرة، يقول عن نفسه: (ما احتجت في شيء من العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرأه عليه، وما توسطته، حتى يقول لي: “استغنيت عني واشتغل فيه مع نفسك”، ومع ذلك ما كنت أتركه حتى أختمه عليه) [رفع الأصر عن قضاة مصر، ابن حجر، (1/103)].

 

واختار العز فطاحل العلماء العاملين، فينقل السبكي بعضًا من هؤلاء الفطاحل، وكيف تلقى العز بن عبد السلام العلم على أيديهم، فيقول: (تفقه على الشيخ فخر الدين ابن عساكر، وقرأ الأصول على الشيخ سيف الدين الآمدي وغيره، وسمع الحديث من الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم ابن عساكر، وشيخ الشيوخ عبد اللطيف بن إسماعيل بن أبي سعد البغدادي، وعمر بن محمد بن طَبَرْزَد، وحنبل بن عبد الله الرُّصافي، والقاضي عبد الصمد بن محمد الحرستاني، وغيرهم) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/104)].

 

 فأخذ علمهم وتأثر بهم وبأخلاقهم الفاضلة، وسلوكهم الرفيع في الحياة، فجمع بين العلم والأخلاق والسلوك والعمل، كما جمع العز في تحصيله بين العلوم الشرعية والعلوم العربية، فدرس التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، والحديث وعلومه، واللغة والتصوف، والنحو والبلاغة وعلم الخلاف.

 

وكان أكثر تحصيله للعلم في دمشق، ولكنه ارتحل أيضًا إلى بغداد للازدياد من العلم، فقد كانت الرحلة لطلب العلم قد أصبحت قاعدة مستقرة في الحضارة الإسلامية، وتعتبر منقبة ومفخرة ومزية لصاحبها، وقد رحل إلى بغداد في ريعان شبابه عام 597هـ وأقام بها أشهرًا، يأخذ العلوم والمعارف، ثم عاد إلى دمشق.

 

ثباته على الحق:

 

          وفي ثباته على كل حق مواقف عدة، أول تلك المواقف والأحداث كان مع أمير دمشق “الصالح إسماعيل” المعروف بـ “أبي الخيش”، حيث (استعان أبو الخيش بالفِرنج وأعطاهم مدينة صيدا وقلعة الشَّقيف؛ فأنكر عليه الشيخ عز الدين وترك الدعاء له في الخطبة وساعده في ذلك الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب المالكي، فغضب السلطان منهما فخرجا إلى الديار المصرية في حدود سنة تسع وثلاثين وستمائة.

 

فلما مرّ الشيخ عز الدين بالكَرك تلقَّاه صاحبها وسأله الإقامة عنده، فقال له: “بلدك صغيرٌ على علمي”، ثم توجه إلى القاهرة فتلقَّاه سلطانها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وأكرمه وولاه خطابة جامع عمرو ابن العاص بمصر والقضاء بها وبالوجه القبلي مدَّة) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/105)].

 

وأما الموقف الثاني فكان بمصر، وهو ذلك الموقف الذي ينقله لنا الإمام السيوطي في كتابه “حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة” فيقول: (لما تولى الشيخ عز الدين القضاء تصدى لبيع أمراء الدولة من الأتراك، وذكر أنه لم يثبت عنده أنهم أحرار، وإن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، فبلغهم ذلك، فعظم الخطب عندهم، وأجترم الأمر، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعًا ولا شراءً ولا نكاحًا، وتعطلت مصالحهم لذلك.

 

وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستثار غضبًا، فاجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: نعقد لكم مجلسًا، وننادي عليكم لبيت مال المسلمين، فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث إليه فلم يرجع، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة فلم يفد فيه، فانزعج النائب، وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ، ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟! والله لأضربنه بسيفي هذا.

 

فركب بنفسه في جماعته، وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده، فطرق الباب، فخرج ولد الشيخ، فرأى من نائب السلطنة ما رأى، وشرح له الحال، فما اكترث لذلك، وقال: يا ولدي، أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله، ثم خرج.

 

حين وقع بصره على النائب يبست يد النائب، وسقط السيف منها، وأرعدت مفاصله، فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: يا سيدي إيش ـ أي ماذا ـ تعمل؟ فقال: أنادي عليكم وأبيعكم، قال: ففيم تصرف ثمننا؟ قال: في مصالح المسلمين، قال: من يقبضه؟ قال: أنا.

 

فتمَّ ما أراد، ونادى على الأمراء واحدًا واحدًا، وغالى في ثمنهم ولم يبيعهم إلا بالثمن الوافي، وقبضه وصرفه في وجوه الخير) [حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، السيوطي، (1/269)]، ومن يومها صار العز بن عبد السلام “بائع الأمراء” بحق.

 

قوته في إنكار المنكر:

 

ولم يكتفِ بذلك، بل راح يجتهد في إزالة كثير من المنكرات، وباشر تبطيل بعضها بنفسه، ومن ذلك إبطاله كثيرًا من البدع المنتشرة، كصلاة الرغائب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وبدعة دق المنبر بالسيف، وذوده الحكيم عن أموال المسلمين.

 

وفي إنكاره على السلاطين تروي كتب التاريخ موقفًا عظيمًا، فقد (طلع عز الدين مرة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة فشاهد العساكر مصطفين بين يديه ومجلس المملكة وما السلطانُ فيه يوم العيد من الأبَّهة، وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية، وأخذت الأمراء تُقبِّلُ الأرض بين يدي السلطان.

 

فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه: “يا أيوبُ، ما حُجَّتُك عند الله إذا قال لك ألم أبوئ لك ملكَ مصر ثم تبيح الخمور؟”، فقال: “هل جرى هذا؟”، فقال: “نعم، الحانة الفُلانية يباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة”، يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون … فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/106)].

 

فتواه الشهيرة وانتصار عين جالوت:

 

          ومن ذلك أن السلطان وعساكره عندما دهمت التتار البلاد عقب وقعة بغداد، استشاروا الشيخ فقال: (اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر، فقال السلطان: إن المال في خزانتي قليل وأنا أريد أن أقترض من التجار، فقال الشيخ عز الدين: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام وضربته سكة ونقدًا، وفرقته في الجيش، ولم يقم بكفايتهم ذلك الوقت اطلب القرض، وأما قبل ذلك فلا) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/109)].      

  

وكان في مجلس السلطان كبار العلماء والفقهاء والقضاة، فكان الرأي ما ذهب إليه ابن عبد السلام حيث قال: (إنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على الإمام قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص المذهبة، والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوب وسلاحه ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقائه في أيدي الجند من الأموال والآلآت الفاخرة فلا) [النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن تغري، (2/269)].

 

وكانت النتيجة باهرة، حيث (نفذ الملك والأمراء والجند فتوى العز وامتثلوا أمره، فقد أحضر الأمراء كافة ما يملكون من مال وحلي نسائهم، وأقسم كل واحد منهم أنه لا يملك شيئًا في الباطن، ولما جمعت هذه الأموال وضربت سكت ونقدًا وأنفقت في تجهيز الجيش، ولم تكفِ هذه الأموال نفقة الجيش أخذ السلطان قطز دينارًا واحدًا من كل رجل قادر في مصر، فجمع بذلك الأسلوب الفريد المال الحلال الذي لا ظلم ولا عدوان فيه، ومع الاستعداد النفسي الذي قام به العـز وإخوانه من العلماء تنزَّل نصر الله على عباده المؤمنين، وهزم الله التتار في عين جالوت سنة 658ﻫـ) [فتاوى شيخ الإسلام العز بن عبد السلام، ص(120)].

 

ومن أسباب النصر شعور الناس بقيمة العدل التي ساهمت في جعل روح جديدة تسري في كيان الشعب المسلم تحت قيادة السلطان قطز، من خلال الفتاوى الفذة التي أفتى بها الشيخ العز بن عبد السلام، وهكذا كانت مواقف العز بن عبدالسلام من حكام عصره، في حياته المديدة كلها آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، صادعًا بالحق، حربًا على الباطل وأهله.

   

مؤلفاته وجهوده العلمية:

 

ولقد تعددت جهود العز بن عبد السلام في الإفتاء والخطابة والقضاء والتدريس والتأليف، وله في كل مجال قصب السبق، وانتهت إليه في عصره رياسة الشافعية، وبلغت مؤلفاته ثلاثين مؤلفًا،  وكلها تنطق بنبوغ وذكاء خارق، لكنه فضل الله يؤتيه من يشاء، فاجتمع له من الفضل ما لم يجتمع إلا للأفذاذ النابغين من علماء الأمة.

 

وشملت مؤلفاته التفسير وعلوم القرآن والحديث والسيرة النبوية، وعلم التوحيد، والفقه وأصوله والفتوى، ومن أشهر كتبه: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، والغاية في اختصار النهاية في الفقه الشافعي، ومختصر صحيح مسلم، والإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، وتفسير القرآن العظيم، ومقاصد الصلاة، ومقاصد الصوم، وغيرها في سلسلة لا تكاد تحصي حلقاتها.

 

ثناء العلماء عليه:

 

وتعددت كلماء الثناء عليه في كل عصر من العصور، فهذه جملة من أقوال معاصريه، ومنهم العلامة جمال الدين الحصري شيخ الحنفية في زمانه مخاطبًا سلطان دمشق عن العز: (هذا رجل لو كان في الهند، أو في أقصى الدنيا، كان ينبغي للسلطان أن يسعى في حُلوله في بلاده؛ لتتم بركته عليه وعلى بلاده، ويفتخر به على سائر الملوك) [طبقات الشافعية، السبكي، (8/130)].

 

وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي معاصر العز يمدح مجلسه في الفقه: (ما على وجه الأرض مجلس في الفقه أبهى من مجلس عز الدين بن عبد السلام) [حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، السيوطي، (1/101)].

 

          وأما تلامذته فصاغوا كلمات رائعة تكتب بماء الذهب في الثناء على شيخهم، ومن ذلك ما قاله أبو بكر بن مسدي الأندلسي تلميذ العز عن شيخه: (أحد فقهاء هذا المذهب، ممن فرَّع على أصوله وهذَّب ورأس فقهاء بلده) [تاريخ علماء بغداد، ابن رافع، ص(105)]

 

ومن أكثر ما قيل في وصفه إجمالًا قول تلميذه عز الدين الحسيني: (حدَّث ودرَّس وأفتى، وصنَّف وتولى الحكم في مصر مدة، والخطابة في جامعها العتيق، وكان علم عصره في العلم، جامعًا لفنون متعددة، عارفًا بالأصول والفروع والعربية، مضافًا إلى ما جُبِل عليه من ترك التكلف مع الصلابة في الدين، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه) [طبقات الشافعية، السبكي، (1/85)].

 

وحتى المعاصرين من الدعاة والعلماء صاغوا خير الكلمات وأعظمها، ومنها قول الأستاذ مصطفى السباعي عنه: (كان وجوده نسمة من نسمات الرجاء تهبُّ على قلوب اليائيسين, وعزمة من عزمات الإيمان، تنبعث في أوساط المتخاذلين، وومضة من ومضات النور تضيء الطريق للمدلجين في دياجير الظلام، وسوطًا من سياط الحق يلهب الله به ظهور المتكبرين والمتجبرين والظالمين، إن العز بن عبد السلام من أعظم علماء الإسلام الذين تهزني دراسة آثارهم وسيرتهم هزًّا عنيفًا) [العز بن عبدالسلام للندوي، تقديم مصطفى السباعي، ص(5-6)].

 

وفاته:

 

وفي سن الثالثة والثمانين، كانت آخر حلقة في حياة ذلك الإمام الفذ والعالم الجليل، حيث توفي في 10 من جمادى الأولى 660 هـ = 9 من إبريل 1066م، فرحمة الله عليه، عاش أحداث عصره فأثَّر بها وتفاعل معها، وتأثر بها فجاهد باليد، كما جاهد بالقلم واللسان، حتى كتب اسمه بأحرف من نور في سجل الخالدين، وترك خلفه مدرسة غنية لكل باحث، وسيرة عبقة يقتدي بها الباحثون عن الحق وأنصار الشريعة والعدالة.

 

                                                                                         موقع لواء الشريعة

لايأخذكم العجب كل مأخذ !! ولا يصيبكم مما أدونه الآن ازدراء لذكرى الماضي, ولكن عذري هو حنيني لأيام الالتزام الأولى..

عندما بلغت ثلاث عشرة سنة من عمري كنت لا أزال متشبثة بطفولتي كثيراً, مع ماتحمله جوانحي من أنثى تستقبل سني شبابها..

وتظن هذه الأنثى الصغيرة أن الحياة لهو وبعد عن الصواب..

لم يكن بيتنا يحرص على الالتزام كثيراً وإن كان أولى أولويات والديّ الصلاة إلا أن هناك جوانب أخرى فرط الجميع فيها..

( أبو عبد الرحمن ) هذه كنيته, التي كنى بها نفسه منذ زمن مبكر, لم يكن متزوج حينها.

هو أخي “محمد” الذي كان يكبرني بأعوام , والثالث بين إخوتي.

قد يُستغرب أن يخص بحديث دون البقية, ولكنه سبقهم بباع طويل في تغيير مسيرتي إلى الله.

التزم مبكراً ,وانضم لصفوف الشباب الملتزم , ومبكر أيضاً حرصه على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

بدأ بنا أهل بيته فكان بكل رفق يدعونا إلى الله

برسالة يكتبها

وهدية يهديها

وتلطف في الحديث والمعاملة

إن أنسى .. فلن أنسى عندما مر بي وأنا أمام التلفاز فوعظني وذكرني .. وأخذتني العزة بالإثم, فأعليت صوت التلفاز -عنادا- فما كان منه إلا أن تركني بكل هدوء وذهب.

فكان لهذا الموقف أعظم الأثر في نفسي.

ويوم يجيء ونحن مجتمعون لمشاهدة مسلسل, فيذكرنا بالله , ونرغبه في الجلوس فيقوم من بيننا وهو يقول “مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار”

منذ ذلك الحين لا أمر بهذه الآية إلا وأذكر موقفه ذلك.. فسدد الله مسعاه

وبدأ مساري يتغير , وأيقنت منذ صغري أن الرحلة إلى الله تحتاج الزاد, وأن خير الزاد التقوى.

لم يتركني ويركنني للإيمان الذي في قلبي , بل إنه كان خير معين لي بعد الله .

إن ذهب لمحاضرة اصحبني معه, لم يبخل علي بشريط أو كتاب أو ابتسامة أو تلطف

لا زلت أذكره جيدا عندما كان يرجو والدتي إن يأخذني معه لمحاضرة في مكان يبعد عنا مسيرة الساعات الأربع وافقت والدتي وسرنا وحضرنا المحاضرة وعدنا من ليلتنا.

كان زملاؤه في المحاضرة إلا أنه لم ينس إن هناك قلوباً تتعطش للارتواء من نبع الإيمان.

هو حريص على إيقاظنا للصلاة فإن غلبنا النوم قال :”وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى” فنثب جميعاً خوف النفاق, فسقيا لأيام الالتزام الأول….

كانت مسيرتي الأولى في الالتزام على يده, وكذلك الدعوة إلى الله

فكان يشركني في إعداد برامجه وكتابته خطبه, وتفريغ أشرطة,

حتى أفكاره وهمومه الدعوية كان يشركني فيها فكنت أعيش واقع الشباب الملتزم

وإني لأدعو الله أن يصلح قلبه وزوجه وذريته, وألا يحرمه الأجر فقد كان “أبو عبد الرحمن” أنموذجاً للقدوة الصالح, والمربي الناجح.

فله مني كل امتنان ووفاء

 

أحمد عادل

 

 

          هدى شعراوي، اسم لطالما اقترن بمحاولات لتحرير المرأة، ليس من الجهل والبدع والخرافة كما زعموا، ولكن لتحريرها من كل أمر أو نهي شرعي، أراد لها وللمجتمع المسلم في كل زمان ومكان الخير كله.

 

المولد وعوامل النشأة:

 

وُلِدت نور الهدى محمد سلطان أو هدى شعراوي في مدينة المنيا في صعيد مصـر، وهي ابنة محمد سلطان باشا، رئيس المجلس النيابي الأول في مصر في عهد الخديوي توفيق، وهو حاكم الصعيد العام.

 

وحتى نقف على عوامل النشأة التي انتهت بهذه الشخصية إلى ذلك الانحلال الفكري، وجعلتها ترتمي في إحضان الحضارة الغربية، فلابد من ذكر أسماء ثلاثة، كان لها أكبر الأثر فيما وصلت إليه هدى شعراوي، وهذه الشخصيات الثلاث هي:

 

والدها: محمد سلطان باشا، وزوجها: علي شعراوي باشا، وأستاذتها الفرنسية زوجة حسين رشدي باشا.

 

أما عن والدها، فقد تربت هدى شعراوي في سنين حياتها الأولى في بيت والدها، والذي اشتهر بخيانته لبلاده وتعاونه الصريح مع الإنجليز، وتهيئة الأجواء لهم؛ لكي يبسطوا نفوذهم على مصـر، حيث يقول الدكتور عبد العزيز رفاعي عن والدها محمد سلطان:

 

(إنه كان من أعلام الثورة العرابية، ولكنه تنكر لها في أحلك أوقاتها، ومشى في ركاب أعدائها: الخديو والإنجليز … حتى نال حظوته من الخديوي بالإحسان، ومن الإنجليز بالتقدير) فهذا هو البيت الذي نشأت وترعرعت في جنباته.

 

وهذا ما أثبته الأستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله حين تكلم عن دور محمد سلطان في خدمة مخابرات الإنجليز في سبيل الوصول إلى معسكر العرابيين في التل الكبير، فقال: (وهكذا حمل لواء الخيانة للثورة العرابية، وطاف ببورسعيد والإسماعيلية بجيش عرابي معلنًا الثقة في الجيش الغازي، ومطمئنًا الأهالي على حياتهم وقد أفهمهم حسن نيات الإنجليز إزاء المصريين) فإن كان رب البيت بالخيانة مشتهرًا، فكيف ستكون شيمة الذرية؟!

 

تُوفي والدها وهي في الخامسة من عمرها بالنمسا، ومن ثم راعتها والدتها ونشأتها على دراسة العلوم واللغات وتعلم الموسيقى، وتعلمت مبادئ القراءة والكتابة، وتعلمت الفرنسية والتركية، وتزوجت هدى شعراوي وهي فى الثالثة عشـر من عمرها من ابن عمتها على شعراوي باشا وهو أحد قادة ثورة 1919م.

 

وأما الشخصية الثانية فكان زوجها علي شعراوي باشا، والذي سميت باسمه كعادة الغربيين في تسمي المرأة باسم زوجها، وشعراوي باشا كان رجلًا موسرًا صديقًا لوالدها، ويكبرها بأربعين عامًا تقريبًا، وهو أحد الثلاثة الكبار ـ هو ومعه سعد زغلول وعبد العزيز فهمي ـ الذين قابلوا المندوب البريطاني بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بوصفهم من رجال حزب الأمة الموالي للاستعمار البريطاني لعرض مطالب البلاد.

 

ثم دخلت الشخصية الثالثة على الخط، فقد كانت هُدى تعتزُّ بأنها تلميذةٌ لزوجة حسين رشدي باشا الفرنسية، وكانت هذه المرأة الفرنسية قد ألفت كتابين الأول بعنوان “حريم ومسلمات مصر”، والثاني كتاب “المطلقات”، والذي عبرت فيهما ـ على حد قولها ـ عن مدى الألم والتعاسة التي تعانيها من أجل ما أسمته بتعاسة المصرية وظلم الرجل لها.

 

مراحل حياتها:

 

          انشغلت هدى شعراوي بالعمل الاجتماعي، فأسست جمعية لرعاية الأطفال سنة (1325هـ = 1907م)، وطالبت في سنة (1326هـ = 1908م) القائمين على الجامعة المصـرية بتخصيص قاعة للمحاضرات النسائية والاجتماعية، فكان لها ما أرادت، وأسهمت في تأسيس (مبرة محمد علي) للأطفال المرضى سنة 1909م.

 

قادت هدى شعراوي مظاهرات السيدات الأولى في تاريخ مصر سنة (1338 هـ – 1919م)، وكونت لجنة الوفد المركزية للسيدات، وأشرفت عليها، وألفت الاتحاد النسائي المصـري سنة 1923م، وشاركت في عدد من المؤتمرات النسائية الدولية، ومن هنا بدأ تأثرها بكثير من الأفكار الغربية يظهر إلى العلن، لتبدأ مرحلة الدعوة إلى الانحدار الفكري والأخلاقي في حياة هدى شعراوي.

 

لمحة من التاريخ:

 

  وقبل أن نستفيض في محاولات هدى شعراوي التغريبية، لابد من نظرة في تاريخ الدعوات إلى التغريب وما يستتبعها من الانحلال الأخلاقي والاجتماعي، فقد (ظهر كتاب في مصر عام 1894م ـ أي بعد الاحتلال البريطاني بعام واحد ـ لمحام مصري موالٍ لكرومر والنفوذ الأجنبي يدعى “مرقص فهمي” تحت عنوان “المرأة في الشرق” صوَّر فيها خطة الاستعمار في المطالبة بتحقيق خمسة أغراض:

 

أولًا ـ القضاء على الحجاب الإسلامي.

 

ثانيًا ـ إباحة الاختلاط للمرأة المسلمة بالأجانب عنها.

 

ثالثًا ـ تقييد الطلاق ووجوب وقوعه أمام القاضي.

 

رابعًا ـ منع الزواج بأكثر من واحدة.

 

خامسًا ـ إباحة الزواج بين المسلمات وغير المسلمين

 

هدى شعراوي بين قاسم أمين والغرب:

 

ثم ظور كتاب قاسم أمين “تحرير المرأة”، والذي كان بمثابة بداية الطريق بالنسبة لها، فكما تقول الدكتورة ليلي عامر: (قابلت هدى أفكار قاسم أمين بكثير من الفرح، ورأت فيه صاحب رسالة يعجز أعداؤه عن هزيمته، وتعجبت هدى من السيدات اللواتى استنكرن تصريحات قاسم أمين ومبادئه رغم أنها كانت فى صالحهن؛ لأنها كانت تظهرن فى الثوب الحقيقى من عدم الكفاءة وكان ذلك يجرح كبريائهن، فقد رأتهن صورة مشابهة للجوارى اللائي عندما تعطى لهن ورقة العتق من الرق، يبكين على حياة العبودية والأسر).

 

وأما أول صلاتها بالغرب، فقد كانت زيارة امرأة تدعى “كليمان” إلى القاهرة، والتي اقترحت هدى شعراوي عليها أن تلقي محاضرة للفتيات عن المرأة بين الشرق والغرب، وتحقق لها ذلك في يوم الجمعة 15 يناير 1909م، وبعد أيام من المحاضرة وصلتها دعوة للتعارف مع الليدي كرومر وهي زوجة المندوب السامي البريطاني المحتل “اللورد كرومر”.

 

هدى شعراوي وخلع الحجاب:

 

ثم توالت حلقات الانحدار، فكانت مظاهرت النساء المشهورة سنة 1919م، في ميدان الإسماعيلية الذي سمي فيما بعد بميدان التحرير، حيث كانت على رأسهن صفية زغلول زوجة سعد زغلول، وهدى شعراوي، وتجمع النسوة أمام ثكنات الجيش الإنجليزي، وهتفن ضد الاحتلال.

 

ثم بتدبير سابق، ودون مقدمات ظاهرة، خلعن الحجاب، وألقين به في الأرض، وسكبن عليه البترول، وأشعلن فيه النار، وتحررت المرأة على زعمهم، وكأن خلع الحجاب سيخرج الاستعمار، وينهي وجود الإنجليز بمصر.

 

كما كانت أول من خلعت النقاب، وأسفرت عن وجهها في سنة (1340هـ = 1921م)، أثناء استقبال المصريين الحاشد لسعد زغلول بعد عودته من المنفى.

 

ولم تتوقف هدى شعراوي عند ذلك الحد، بل راحت تمعن في محاولة امتهان الحجاب وازدرائه، وفي ذلك تقول الدكتورة صافيناز كاظم: (هدى شعراوي وسيكرتيرتها “سيزا نبراوي” ألقتا حجابهما وداستاه بأقدامهما فور وصولهما من مؤتمر النساء الدولي الذي عقد بروما صيف 1923م

 

ودعت إلى رفع السن الأولى للزواج إلى 16 عامًا للفتاة و18 عامًا للفتى، وطالبت بوضع قيود أمام الرجل للحيلولة دون الطلاق، وحاربت تعدد الزوجات، ورأت فيه إهانة ومذلة للمرأة.

 

وفي إطار سعيها المتواصل إلى نشر تلك الخرافات والانحرافات، جعلت هدى شعراوي بيتها صالونًا يتقابل فيه الرجال والنساء، وتقابل فيه الرجال وهي سافرة.

 

واستمرت هذه السلسلة من الانحرافات التي توجتها في خطبتها، التي ألقَتْها بمناسبة الاحتفال بالعيد العشرين للاتحاد النسائي حين قالت: (ومنذ ذلك اليوم قطعنا على أنفسنا عهدًا أن نحذو حذو أخواتنا الغربيات في النهوض بجنسنا مهما كلفنا ذلك) حتى وإن كلفها الانسلاخ من أوامر الشريعة ونواهيها.

 

مخططها لتدمير الأسرة المسلمة:

 

          ومن تلك القاعدة المنحرفة، انطلقت صواريخ هدى شعراوي؛ لتصيب الأسرة المسلمة كأول هدف لها، وسعت في ذلك بكل قوتها، وجيشت في سبيل ذلك كل إمكانياتها، فكما يقول أنور الجندي: (لقد كانت سيدة سافرة لها صالون، ويتحلق حولها عدد من الرجال المجندين لكتابة الخطب والكلمات التى كانت تلقيها في الاحتفالات، وكانت تنفق على ذلك أموال محمد سلطان باشا ـ والدها ـ التى دَفعت ثمنها الثورةُ العرابية، وكان في مقدمة هؤلاء إبراهيم الهلباوي باشا محامي دنشواى والشيخ محمد الأسمر الشاعر.

 

وقد استطاعات أن تجند بعض الشباب، وأن ترسل بهم في بعثات تعليمية خاصة على حسابها إلى أوربا، ومنهم من عمل في الصحافة من بعد، وحمل لواء الدعوة إلى تقديس هدى شعراوي، ودعا إلى تلك الأفكار التى تحرض المرأة على التحرر من القيود الاجتماعية) [رجال اختلف فيهم الرأي، أنور الجندي، ص(27-28)].

 

المؤتمر النسوي العربي:

 

          وفي عام 1944م، وفي المؤتمر النسوي العربي انبرت هدى شعراوي، لتكمل المسيرة المنحرفة، حيث شاركت في ذلك المؤتمر، وصادقت ـ هي وقريناتها ـ على القرارات المعتادة:

 

( المطالبة بالمساواة في الحقوق السياسية مع الرجل وعلى الأخص الانتخاب، تقييد حق الطلاق، الحد من سلطة الولي أيًّا كان وجعلها مماثلة لسلطة الوصي، تقييد تعدد الزوجات إلا بإذن من القضاء في حالة العقم أو المرض غير القابل للشفاء، الجمع بين الجنسين في مرحلتي الطفولة والتعليم الابتدائي، ثم في نهاية القرارات تقديم طلب بواسطة رئيسة المؤتمر إلى المجمع اللغوي في القاهرة والمجامع العلمية العربية بأن تحذف نون النسوة من اللغة العربية) [عودة الحجاب، د.محمد إسماعيل، ص(102)].

 

هدى شعراوي تتغزل في التجربة الأتاتوركية:

 

          وحتى تكمل العقد غير الفريد لانحرافاتها، ها هي تتباهى وتتغزل في التجربة الأتاتوركية، وتبدي إعجابها الشديد بشخص ذلك الرجل مصطفى كمال أتاتورك الذي أنهى الخلافة الإسلامية، فتقول في مذكراتها، وهي تحكي عن اشتراكها في المؤتمر النسائي الدولي الثاني عشر باستانبول عام 1935م:

 

(وبعد انتهاء مؤتمر استانبول وصلتنا دعوة لحضور الاحتفال الذي أقامه مصطفى كمال أتاتورك محرر تركيا الحديثة … وفي الصالون المجاور لمكتبه وقفت المندوبات المدعوات على شكل نصف دائرة، وبعد لحظات قليلة فتح الباب ودخل “أتاتورك” تحيطه هالة من الجلال والعظمة، وسادنا شعور بالهيبة والإجلال.

 

وعندما جاء دوري تحدثت إليه مباشرة من غير ترجمان وكان المنظر فريدًا أن تقف سيدة شرقية مسلمة وكيلة عن الهيئة النسائية الدولية، وتلقي كلمة باللغة التركية تعبر فيها عن إعجاب وشكر سيدات مصر بحركة التحرير التي قادها في تركيا) [عودة الحجاب، د.محمد إسماعيل، ص(102)].

 

فلو أنها تتحدث عن خليفة المسلمين أو أمير المؤمنين، ما تكلمت بهذه الطريقة، ولا انتقت أعاظم الكلمات كما فعلت مع ذلك الخائن، وليس هناك من سبب يجعلها تتغزل في أتاتورك سوى وحدة الهدف والمقصد، فكلاهما معول هدم حاول أن يأتي على الشريعة من أُسسها، وأنَّى لهم أو لأمثالهم ذلك.

 

ولقد انبرت أقلام شجاعة، لترد على تلك الإطراءات على أتاتورك، وتكشف زيف هؤلاء النسوة، ومن بين هؤلاء كان الأستاذ محمد أمين هلال في مقال له في مجلة “الإسلام” الغراء بتاريخ الجمعة 16 أغسطس 1935 م بقوله:

 

(… ولعل السبب في دفاعه عن الكماليين إنه رأى وليات نعمته من بعض النسوة الأرستقراطيات المدعيات كذبًا تمثيل نساء مصر، ولم يجتمعن في الغالب إلا للغناء والرقص وامتاع النظارة بضروب من المغريات، ولم يحاولن أن يلمسن جوانب الإصلاح الحق الذي يستدعي هجر الراحة والتضحية فليس لهن سبيل إلى المعرفة بها، وإن عرفنها فلا يصبرن عليها.

 

قد ذهب وفدهن إلى إسلام بول مدعيًّا بهتانًا وزورًا أن نساء مصر راضيات بما اختطه الكماليون للمرأة التركية وبكل ما فعله الكماليون، مع أن كل المسلمين ومعظم الشرقيين لا يرضون مذاهب الكماليين ومذهبهم حيال الدين والمرأة ويستعيذون بالله من الشيطان ويلعنون الطغيان)

 

وفاتها:

 

          وفي يوم 13 من ديسمبر عام 1947م توفيت نور الهدى محمد سلطان، أو هدى شعراوي عن 68 عامًا، لتنتهي مسيرة من التغريب، ومحاولة العبث والتخريب في الشريعة الإسلامية الغراء. (موقع لواء الشريعة)

 

 

سئل سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – مفتي عام المملكة – عن أهمية العلم الشرعي المبني على الكتاب والسنة.


فأجاب سماحته قائلاً:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحبه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فمن المعلوم عند جميع المسلمين، وعند أهل العلم بالأخص، أن التفقه في الدين وتعلم العلم الشرعي من أهم الواجبات، ومن أهم الفروض لعبادة الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه، وأرlس,[,]mل الرسل لذلك، وأمر العباد بذلك، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[1]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ[2]، وقال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[3].

ولا سبيل لمعرفة هذه العبادة ولا الطريق إليها إلا بالعلم، كيف يعرف هذه العبادة التي هو مأمور بها إلا بالعلم.

والعلم إنما هو من كلام الله ومن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، والعلم قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس العلم بالتهجس والرأي والتخرص، وإنما مأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بواسطة الأحاديث ونقل العلماء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

فالواجب على المسلم أن يتعلم ويتفقه في الدين، وهكذا المسلمة؛ حتى يتعلم كيف يعبد ربه، وكيف يؤدي ما أوجب الله عليه، وكيف يتجنب ما حرم الله عليه؛ ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) متفق على صحته، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله))، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)).

فالواجب على جميع المكلفين من الرجال والنساء التعلم والتفقه في الدين، عن طريق القرآن والسنة، وسؤال أهل العلم والتبصر، قال تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ[4]، فالذي عنده قدرة وعنده علم، يأخذ من كتاب الله ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

والذي ليس عنده قدرة ولا علم يسأل أهل العلم، ولا يجوز السكوت على الجهل والإعراض والغفلة، بل يجب أن يتعلم ويتفقه في الدين ويتبصر؛ حتى يؤدي الواجب، كيف يصلي؟ كيف يصوم؟ كيف يبيع؟ كيف يشتري؟ وهكذا يعرف المحرمات التي حرمها الله حتى يحذرها.

ومعلوم أن هناك أشياء معروفة من الدين بالضرورة، ويعرف أن الله أوجب عليه الصلاة، فالمسلم يعرف هذا، وأن الله أوجب الزكاة، وأوجب صيام رمضان، وأوجب الحج مع الاستطاعة، هذه أمور معروفة، ولكن يتفقه فيها، وكيفية كل منها.

كذلك من المعروف أن الزنا وشرب المسكر والسرقة من المحرمات، والشرك معلوم أنه من أعظم الذنوب، ولكن يتعلم: ما هو الشرك؟ وما هي تفاصيله؟ كذلك يحذر الزنا وأسبابه، ويحذر المسكرات واجتناب أهلها، يحذر الربا وأنواعه، ويتبصر فيه، ويحذر الغيبة والنميمة، ويتعلم ماهية كل منهما؛ حتى يدع ما حرم الله على بصيرة؛ لأنه مأمور بأداء الفرائض وترك المحارم.. والله يقول: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا[5].

فالعبادة لله توحيده، وطاعة أوامره وترك نواهيه، وهكذا قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ[6] الآية، يعني بطاعة أوامره وترك نواهيه، والإخلاص له، وهذا يعم جميع الدين، وما علمكم إياه وأمركم به التزموا به؛ إن كان أمراً بالفعل، وإن كان نهيا بالترك.

هذا هو الواجب على جميع المسلمين المكلفين، أن يمتثلوا لأمر الله وأمر رسوله، وأن يحذروا ما نهى الله عنه ورسوله، وبهذا يؤدون العبادة التي خلقوا لها، فالواجب التعلم والتبصر، والتفقه في الدين، وعدم التشبه بالكفار نسأل الله العافية والسلامة.



 

 

 

قال فضيلة الشيخ محمد العثيمين – غفر الله له – في تفسير قوله تعالى:

{إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ* قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ*بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}  سورة يــس

*_ يستفاد من هذه الآية :” إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ” فضيلة هذا الرجل بإعلانه الإيمان بالله عز وجل , فكل إنسان يؤمن ويعلن إيمانه بالله فإن ذلك له ميزة وفضيلة , قال الله تعالى : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أعلن أنه من المسلمين ولم يخف أحداً سوى الله .

*_ ومنها: قوة شخصية هذا الرجل , حيث أعلن أمام هؤلاء القوم أنه آمن , وآمن بربهم الذي يستلزم أن يكونوا مخلصين له بالعبادة إذا كان رباً لهم, كأنه أقام الحجة عليهم بذلك , فإذا كان الله ربكم فواجب أن توحدوه , ولا تتخذوا معه آلهة , وهذا يدل على قوة شخصيته , زد على ذلك أنه تحداهم فقال “فَاسْمَعُونِ” فأنا لا أبالي بكم فاسمعوا إني آمنت بربكم الذي يجب أن توحدوه؛ لأنه ربكم .

*_ يستفاد من هذه الآية الكريمة : “قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ” إثبات نعيم القبر لقوله : “قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ” مع أن الساعة لم تقم بعد , ولم يدخل الناس الجنة . ويدل ذلك آيات من القرآن لقوله تعالى : {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} الملائكة يقولون حين توفاهم ادخلوا الجنة فيستفاد من هذه الآية إثبات نعيم القبر. ومنها هذه الآية : “ادْخُلِ الْجَنَّةَ” ولم تقم الساعة الآن , فهو دليل على أن الميت ينعم في قبره كأنه دخل الجنة, لأنه يلبس من الجنة , ,ويفتح له باب من الجنة , ويأتيه من روحها ونعيمها فكأنه دخلها .

*_ ومن فوائدها أن هذا الرجل ناصح في حياته وبعد مماته , في حياته دعا قومه إلى توحيد الله عز وجل ، وأن يؤمنوا ويتبعوا الرسل ، وبعد مماته تمنى أن قومه يعلمون بغفران الله له من أجل أن يؤمنوا ويتبعوا الرسل ، وهذا دليل أن المؤمن لاتلقاه إلا ناصحاً وهذا الرجل تمنى أن قومه يعلمون بما غفر الله له لعلهم يرجعون فيؤمنون كما آمن .

*_ ومن فوائد الآية الكريمة : منة الله عز وجل على من آمن بالمغفرة والإكرام ، فيتفرع على هذه الفائدة : أن الإيمان سبب المغفرة ، وسبب لإكرام الله تعالى للعبد .

*_ ومنها ماأشار إليه بعض الأدباء أن التخلية قبل التحلية لقوله :” بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ” وهذا تخلية وإزالة “وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ” هذا تحلية ولهذا قيل :التخلية قبل التحلية .

*_ ومن فوائدها أن إكرام الله عز وجل لايختص بهذا الرجل ، بل هناك عالم يكرمهم الله تعالى لقوله : “وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ” ففيه حث على أن يفعل الإنسان كفعله لينال مانال ولم يقل – بما غفرلي ربي وأكرمني – بل قال : “وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ” ليبين أن الإكرام ليس خاصاً به ، بل الإكرام موجود لكل من قام بعمل كعمله . أ . هـ

المتواجدون الآن

web stats

إحصائيات المدونة

  • 459